الشيخ أحمد بن محمد القسطلانى
565
المواهب اللدنية بالمنح المحمدية
إلى الرسول الملكي تارة ، وإلى البشرى أخرى ، وإضافته إليهما إضافة تبليغ ، لا إضافة إنشاء من عندهما ، ولفظ « الرسول » يدل على ذلك ، فإن الرسول هو الذي يبلغ كلام من أرسله ، فهذا صريح في أنه كلام من أرسل جبريل ومحمدا - صلى اللّه عليه وسلم - ، فجبريل تلقاه عن اللّه ، ومحمد - صلى اللّه عليه وسلم - تلقاه عن جبريل . وقد وصف اللّه تعالى رسوله الملكي في هذه السورة بأنه كريم يعطى أفضل العطايا ، وهي العلم والمعرفة والهداية والبر والإرشاد ، وهذا غاية الكرم . « ذو قوة » كما قال في النجم : عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوى « 1 » فيمنع بقوته الشياطين أن يدنوا منه وأن يزيدوا فيه أو ينقصوا منه ، وروى أنه رفع قريات قوم لوط الأربع على قوادم جناحه حتى سمع أهل السماء نباح كلابها وأصوات بنيها . عند ذي العرش مكين ، أي متمكن المنزلة ، وهذه العندية عندية الإكرام والتشريف والتعظيم . مطاع ثم ، في ملائكة اللّه المقربين ، يصدرون عن أمره ويرجعون إلى رأيه ، أمين على وحى اللّه ورسالته ، فقد عصمه اللّه من الخيانة والزلل . فهذه خمس صفات تتضمن تزكية سند القرآن ، وأنه سماع محمد - صلى اللّه عليه وسلم - من جبريل ، وسماع جبريل من رب العالمين ، فناهيك بهذا السند علوّا وجلالة ، فقد تولى اللّه تزكيته بنفسه ، ثم نزه رسوله البشرى وزكاه مما يقول فيه أعداؤه ، فقال : وَما صاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ « 2 » وهذا أمر يعلمونه ولا يشكون فيه ، وإن قالوا بألسنتهم خلافه فهم يعلمون أنهم كاذبون . ثم أخبر عن رؤيته - صلى اللّه عليه وسلم - لجبريل - عليه السّلام - ، وهذا يتضمن أنه ملك موجود في الخارج يرى بالعيان ويدرك بالبصر ، خلافا لقوم ؛ فحقيقته عندهم أنه خيال موجود في الأذهان لا في العيان ، وهذا مما خالفوا فيه جميع الرسل وأتباعهم ، وخرجوا به عن جميع الملل ، ولهذا كان تقرير رؤية النبيّ - صلى اللّه عليه وسلم - لجبريل أهم من تقرير رؤيته لربه تبارك وتعالى ، فإن رؤيته - صلى اللّه عليه وسلم - لجبريل هي
--> ( 1 ) سورة النجم : 5 . ( 2 ) سورة التكوير : 22 .